رأى ليجنا أن تيريون قد رفع نصله، مستعداً للهبوط به في أي لحظة، فزأر بكل ما أوتي من قوة وانقض عليه مرة أخرى. وبعد أن استجمعت أليسيا أنفاسها، زأرت هي الأخرى واندفعت نحوه؛ فكلاهما أدرك أن المعركة قد وصلت إلى نقطتها الحاسمة، وأن اتحادهما معاً هو السبيل الوحيد للصمود أمام هذا الوحش، فلو سقط أحدهما الآن، لانتهت المعركة فوراً.
لم يتوقع تيريون أن تحتفظ أليسيا بهذا المستوى من القوة القتالية بعد تعرضها لإصابات قاتلة، كما لم يتوقع إرادة قتالية بهذا الصمود من ليجنا. ورغم أنهما لم يشكلا تهديداً حقيقياً له، إلا أن أجسادهما كانت قوية لدرجة تجاهل الإصابات الخطيرة والاحتفاظ بالقدرة على القتال حتى وهي ممزقة.
ولكن، أليس هذا أفضل؟
بشكل غامض، تصاعد شعور بالإثارة والنشوة في قلب تيريون. لقد مر وقت طويل منذ أن استطاع التمزق والقتل بهذا الشكل؛ وقت طويل جداً وهو يحذر من هذا ويخشى من ذاك، ورغم امتلاكه لقوة هائلة، إلا أنه لم يجرؤ على إطلاق العنان لنفسه. إن فرص إطلاق كامل قوته والقتل، مثل هذه الفرصة الماثلة أمامه الآن، كانت قليلة ونادرة، وكان يقدر كل ثانية منها.
شعر وكأنه وُلد ليقاتل!
القتال والقتل يجريان في دمه، والألم ليس سوى توابل تزين طبق معركته. كل رغباته وشهواته كانت تُشبع في خضم الصدام.
"كــــلانغ!! بـــــوم!!"
صد تيريون اندفاع ليجنا بنصله، ثم أطاح به بعيداً بضربة كوع، مراقباً إياه وهو يرتطم بناطحة سحاب كقذيفة مدفع. تساقط الزجاج والمعادن والغبار والقضبان الحديدية باستمرار، مثيرةً موجات من الحطام.
"يا للأسف..." صد تيريون ضربتين متتاليتين من أليسيا على جانبه بيد واحدة. وبكتفه، صدم وجهها، ثم استدار ليسدد ركلة دائرية (Roundhouse kick) إلى صدرها.
"بـــــوم!"
للمرة الألف، اصطدمت أليسيا بمبنى آخر. ولكن هذه المرة، وخلافاً للمرات السابقة، كافحت بصعوبة شديدة للوقوف مجدداً. لسوء حظها، كانت إصاباتها بالغة لدرجة أنها عجزت عن الحراك. ثارت "المادة المظلمة" من جسدها كظلال ضبابية، محاولةً بذل قصارى جهدها للشفاء.
لقد تضررت أعضاؤها الداخلية، وفقدت أكثر من خمسين بالمائة من دمائها. تمزقت عضلاتها بفجوات واسعة، وتحطمت عدة عظام حيوية فيها. حتى جبهتها وجمجمتها ظهر فيها شق أحمر قانٍ، ومن خلاله كان يمكن رؤية مادة دماغها وهي تتحرك.
بالنظر لمدى إصابات أليسيا، لو كان أي شخص عادي مكانها لمات عدة مرات، ولكن بالنسبة لـ "عابد شيطان"، كانت هذه مجرد إصابات طفيفة تتطلب بعض الوقت للشفاء. الألم الحقيقي كان يتمثل في القوة التي تعصف بداخل جسدها.
ومع ذلك، لم يجهز تيريون عليها. بدلاً من ذلك، سار نحو ليجنا، الذي كان عالقاً ومنغرساً داخل جدار ضخم، عاجزاً عن الحراك. في عينيه، ليجنا هو الأضعف ولن يوفر الكثير من نقاط الضرر على أي حال، لذا لا بأس من إنهاء أمره بعد أن استنفد فائدته.
وقف تيريون أمام ليجنا ومد ذراعه."طـــــرقع."
قبض على عنقه، وسحب ليجنا من الجدار.
"لو... لو لم أكن مصاباً..." كافح ليجنا للتحدث وفمه مليء بالدماء.
"لو كانت قوتي مكتملة، لكنت أنت الخاسر... آاااااااااارغ!!!!" قبل أن ينهي جملته، اعتصرت قبضة تيريون البيضاء المفتولة عنق ليجنا بشدة.
تبخرت كميات هائلة من الرطوبة والدماء لتتحول إلى بخار من فوق رأسه. ظل معلقاً في الهواء، يتلوى كحيوان ذبيح، ومهما حاول الصراع والمقاومة، لم استطع الفكاك من قبضة تيريون الحديدية.
"أطلقه!!" وقفت أليسيا على قدميها مجدداً. لقد أدركت المأزق الذي هما فيه. بدأ الوهج المظلم حولها يزداد كثافة، مشكلاً ضباباً ظلياً ضخماً حولها وحول خنجرها، وبدا أن جسدها المرمري يتغير بالكامل.
كان هذا هو السبب في أن تيريون تركها للآخر؛ بدا أنها لم تستخدم كامل قوتها بعد.
تجاهلها تيريون، وفي قبضته، كان ليجنا يختنق بشكل مأساوي، والدماء تتقطر من جسده كصنبور مفتوح.
"أوه؟" فجأة، استشعر تيريون شيئاً خاطئاً. حاول رفع ذراعه الأخرى، ليدرك فجأة أن جسده لا يمكنه الحراك بوصة واحدة.
"قيد الأسد!!" دون سابق إنذار، انفتحت عينا ليجنا على وسعهما، وانطلق تيار من دخان ذهبي باهت من فمه ليلتف حول خصر تيريون.
"أسرعي.. الآن!!" زأر ليجنا.
كافحت أليسيا لترفع نصلها، واشتدت الظلمة في خنجرها لتصل لقمة بريقها في تلك اللحظة.
"هجوم الملكة المظلمة: أمر النصال الخمسة!!" وجهت كل قوتها نحو النصل وقفزت في الهواء. كان بريق النصل معتماً كالهاوية. وفي لمح البصر، قطعت مسافة عشرات الأمتار وهبطت على تيريون المتصلب.
"كــــلانغ!!""بوم بوم بوم بوم بوم!!!"
انفجر المبنى الذي كان يقف أمامه تيريون على شكل مروحة خلفه، حيث حطمت موجة الصدمة كل شيء في محيط خمسين متراً، ملقيةً بعشرات الأجزاء من المباني في السماء. تبخرت مواد البناء الضخمة لتتحول إلى ضباب أبيض وغبار غلف المنطقة بالكامل، حتى انعدمت الرؤية تماماً.
وفجأة..."بـــــام!!"
صرخت أليسيا صرخة فاجعة، ثم طارت للخلف خارج الضباب.
خطا قوام ضخم وممشوق خارج الضباب الكثيف. كان تيريون، يحمل جسد ليجنا الهامد والساكن في يده، ولم يُعرف إن كان الأخير لا يزال حياً أم لا.
"يا لها من ضربة جميلة،" هتف تيريون وهو يلمس الجرح في الجانب الأيسر من صدره. كان يمكن رؤية جرح قطعي هائل حتى أن عموده الفقري كان ظاهراً. كان ذلك هو المكان الذي ضربته أليسيا بكل قوتها.
"يا للأسف.. الآن بعد أن دمجت جين النمر في جسدي، كل ما استطاع فعله هجومك الجميل هو ترك هذه العلامة. لكن هذه الكوميديا تنتهي هنا." ألقى تيريون بليجنا على الأرض كقطعة قمامة. "بعد أن أقتله، سيأتي دوركِ."