الفصل التاسع والثلاثين: المعلمة المجنونة
كانت وجبة اليوم دسمة على نحو استثنائي. لم يذق "تيريون" لحماً بهذا المذاق الشهي طوال حياته! لم تكن لديه أدنى فكرة عن نوع هذا اللحم أو كيفية إعداد الوجبة، لكنه لم يبالِ؛ فالمذاق كان رائعاً لدرجة أنه أتى على الطعام كله، تاركاً الأطباق الصناعية تلمع من النظافة.
تجرع "تيريون" زجاجة أخرى من الماء المحلى، ثم تنهد بارتياح. كانت معاملته كـ "أسطورة" مذهلة، وكأنهم يعاملونه كشيخ مُبجل. جعله هذا يتساءل عن نوع المعاملة التي يتلقاها القاطنون في "المبنى رقم 1"، فلا بد أنها معاملة الملوك. عكّرت هذه الفكرة مزاجه قليلاً؛ إذ لم يشعر بالراحة لكون الآخرين يتلقون معاملة أفضل منه، لكنه استدرك أن الأمر مجرد وقت قبل أن يستعيد ما هو حقه شرعاً.
"سحقاً، كدت أتأخر!".. قام "تيريون" بتنظيف نفسه بسرعة واندفع خارج مبناه.
كانت مساحة أكاديمية "بوابة الموت" شاسعة لدرجة أن الطواف حولها قد يستغرق شهوراً، ولهذا وجدت وسائل نقل عام داخل الجامعة، مقسمة إلى درجات: العادية، والدرجة الأولى، والدرجة الإمبراطورية. لم يجرؤ تيريون على ركوب أي منها؛ إذ لم يكن مستعداً لإنفاق نقاطه الآن، فقرر الانطلاق قبل ساعتين من بدء المحاضرة، بعد أن حسبت ساعته الذكية أن الوصول لوجهته سيستغرق ساعة وثلاثين دقيقة سيراً.
لم يكن تيريون الوحيد الذي فكر بهذا؛ فقد خرج حوالي خمسين طالباً آخر من سكنهم بنفس الخطة. ورغم أن الطلاب العاديين حصلوا على 1000 نقطة موت لاجتيازهم امتحان القبول، إلا أن بعضهم لم يرغب في إهدارها على المواصلات.
رأى تيريون نصف الطلاب تقريباً وبدا وكأنه يعرفهم، لكن الشخص الذي استوقفه حقاً كان شاباً يُدعى "رينهارد ثرون". كان واحداً من القلائل الذين انفجرت مواهبهم خلال أسبوع الراحة؛ وقيل إنه قفز من تفعيل خلايا بنسبة 40% إلى 80% كاملة في أسبوع واحد! موهبة كانت مذهلة بحق.
لم يرغب "تيريون" في التحدث مع زملائه، فزاد من سرعته وانطلق. كانت الرحلة طويلة لوجود مناطق محظورة على الطلاب الجدد، مما اضطره للالتفاف حولها. ورغم السماء القاتمة وبرودة الصباح، كانت الأكاديمية دافئة كالعادة؛ ربما بسبب "الغبار" (DUST) أو لوجود الجبل البركاني الذي يرتفع عشرة آلاف متر شامخاً بجانب الأكاديمية.
باستخدام الخريطة، وصل تيريون أخيراً بعد ساعة وأربعين دقيقة. وكما هو متوقع، كانت القاعة مكتظة بالطلاب الذين استقلوا المواصلات العامة على الأرجح. كانت قاعة المحاضرات واسعة ودافئة، مشبعة بـ "الغبار" الذي جعل البيئة مريحة، لكن الجو كان مشحوناً بتوتر ملموس؛ فمن الواضح أن قسوة الأكاديمية لا تزال حية في أذهانهم، ومع ذلك ظلوا مراهقين في النهاية، يتهامسون حول الشائعات والأساطير.
"أليس هذا سخيفاً؟ حتى بعد قبولنا، لا يزال علينا القتال من أجل الموارد!"
"هل تعلمون أن أكاديميتنا تعتبر الأكثر شراً في القارة الوسطى؟"
"سمعت أن المعلمة كيشا تمتلك سلالة تنين حقيقي وميزة أسطورية!"
وبينما هم غارقون في همسهم، انفتحت الجدران الموجودة أمام المنصة فجأة. انقبضت أجساد الطلاب، وتيريون من بينهم! فكل تجاربهم السابقة مع "الجدران التي تنفتح" كانت تعني ظهور وحش "إيفو". تساءلوا برعب إن كان هذا اختباراً آخر، وكانوا مستعدين للفرار في أي لحظة.
من عتمة الباب المفتوح، وفي ظل صمت خانق يطبق على القاعة، تردد صدى خطوات. كانت الخطوات تبدو خفيفة، لكنها في آذان الطلاب كانت كالمطارق التي تضرب قلوبهم مباشرة مع اقترابها. لم يكن تيريون استثناءً؛ فكان يحاول تهدئة أعصابه قسراً لكي لا يظهر عليه الذعر.
في الثانية التالية، برزت الشخصية من الظلمة، وانعكست خيوط الضوء على جسدها لتكشف عن هويتها. كانت سيدة فاتنة الجمال بزي مثير؛ كشف قميصها عن خط عنق رقيق وبشرة برونزية ناعمة، واستقرت أطراف القميص فوق سرتها مباشرة، لتظهر عضلات بطن مسطحة ومحددة. ارتدت تنورة قصيرة أظهرت ساقيها الرشيقتين اللتين خطفتا أنفاس الحاضرين. كان وجهها صغيراً ودقيق الملامح، وبدت أقرب إلى لوحة فنية منها إلى الواقع، مما أثار غيرة العديد من الطالبات.
كانت عيناها رماديتين عميقتين، بدتا وكأنهما تتحولان إلى اللون الأخضر الفاتح وهي تركز في الجهاز اللوحي بين يديها. لم تبدُ كبيرة في السن، بدت في أوائل العشرينيات، لكن الحكمة في عينيها كانت تقول غير ذلك.
ساد الصمت المطبق في القاعة. نظرت السيدة أخيراً إلى الطلاب، لكن نظرتها كانت باردة وغير مبالية، وكأنها فعلت هذا آلاف المرات. انغلق الجدار خلفها، وظهرت شاشة شفافة تحمل عبارة: "بيولوجيا الجندي الجيني وكيفية الاختراق."
قالت بصوت رقيق كالنجوم المتلألئة: "نادوني بـ 'المعلمة المجنونة' (Mad Instructor)، ولنبدأ المحاضرة".