كان الطابق الرابع مختلفاً تماماً عما تصوره تيريون؛ لم يكن مجرد طابق، بل مساحة شاسعة من الأرض لها قمرها الخاص وسماؤها، ورغم أنه وقت الليل، إلا أن النجوم المتلألئة والأقمار الثلاثة كانت تنير الأرض بوضوح.
"هل نُقلت إلى بُعد آخر؟" تمتم تيريون بعيون ضيقة وهو يتفحص المحيط. سقطت حقيبته الثقيلة التي تحتوي على جثة آدم سماشر بدويّ هائل، مخلفة حفرة وغباراً كثيفاً.
لاحظ بجانبه مئات الأبواب، وكان قد خرج للتو من أحدها. وأمامه، انتصبت تماثيل عملاقة بحجم الجبال، مرتبة من الأقصر إلى الأطول، تتخذ أشكال "الليفياثان" (Levithans)؛ تلك الكائنات الأسطورية التي ترمز للدمار الشامل والرعب. لم يرَ تيريون مثل هذه الكائنات من قبل، لكن الضغط المنبعث منها كان رهيباً، أقوى بمئة مرة من ضغط آدم سماشر!
كلما تقدم تيريون، شعر بالجاذبية تزداد مئة ضعف. التمثال الأقرب كان ينضح بقوة مهولة جعلته يتساءل عن حجم الضغط الذي سيواجهه عند التماثيل الأبعد والأكثر ضخامة. لاحظ حينها أن كل تمثال يمسك في فمه غرضاً متوهجاً؛ كان وهج الأثر في فم التمثال التاسع قوياً، لكنه كان يتضاءل أمام وهج الثامن، ومع ذلك كان أسطع بعشر مرات من نصل تيريون النانوي، مما يعكس القيمة الخرافية لهذه الكنوز.
دون تردد، ضرب تيريون الأرض بقوة وانطلق بسرعة خاطفة ليقطع 500 متر ويصل أمام التمثال التاسع. وفور اقترابه، تباطأت سرعته بشكل حاد وكأنه يركض في مستنقع. نظر للخلف ورأى أحد الأبواب يلمع، فأدرك أن الوقت يداهمه؛ يجب أن ينهب أكبر قدر من الآثار قبل أن ينهي الآخرون طوابقهم وينتقلوا إلى هنا.
"زئــــــــير!"
فعل الحالة القصوى من "الخطوة الطيفية". في تلك اللحظة، بدا أن الزمن يتوقف وجسده يخترق حواجز الهواء بينما عوى الفضاء تحت وطأة سرعته. بلمحة عين، ظهر أمام التمثال، وبقفزة واحدة تسلقه كالسحلية رغم ارتفاعه الذي بلغ ثلاثمائة متر. شكلت يداه مخالب حادة انغرست في جسد التمثال، مستخدماً كل قوته لمقاومة الضغط، حتى قبض أخيراً على الأثر المتوهج في فمه.
في تلك اللحظة، انفتح الباب المتوهج وخرج منه شاب وسيم؛ كان "جيرالد". ورغم هدوئه الظاهري، إلا أن عينيه كانتا تفيضان بالإثارة. لقد قتل لتوّه نسخة آدم سماشر الخاصة به، وكان لا يزال منتشياً بأثر "قلب التفاعل" (Reaction Core) الذي حصل عليه، والذي كاد يكلفه حياته.
تسمرت عيناه على التماثيل، وعندما وقع بصره على الكنوز المتوهجة، ذُهل تماماً. كان هناك 21 تمثالاً، كل واحد منها أكبر وأقوى وأطول من الذي يسبقه، ويحمل في فمه أثراً أو فناً شيطانياً أثمن. وفي النهاية، انتصب تمثال وحيد عملاق يشبه "غودزيلا" بارتفاع يصل إلى 5000 متر (بحجم جبل شاهق).
صُدم جيرالد؛ لم يرَ مثل هذه الكنوز قط. لو وضع يده عليها، ستتمكن عائلته فوراً من حكم اتحاد كامل، بل وسيهابهم "التحالف" نفسه.
"يجب أن أحصل على هذه الكنوز وأبيد كل من يعترض طريقي."
وبينما تحولت عيناه إلى نظرة شيطانية مليئة بنية القتل، لاحظ انطفاء الضوء من التمثال القريب. رأى قواماً يختطف الأثر ويضعه في جيبه.
"كنوزي!!!!!"
"سأقتلك!!!" زأر جيرالد كوحش كاسر واحمرت عيناه؛ فسرقة كنوزه بالنسبة له تعادل قتله.
مع زئيره، توهجت خلية واحدة في صدره، وأطلقت تموجاً كثيفاً انتشر كموجة صدمة. تشوه الفضاء حول جيرالد وتقلص ضغط التمثال في محيط عشرة أمتار حوله بشكل حاد؛ لقد استخدم "خليته الفائقة للجاذبية" ليعادل تأثير تمثال الليفياثان. وبما أن التمثال لم يكن كائناً حياً، لم يستطع مقاومة تلاعب جيرالد بالجاذبية.
ارتجف عضلات جيرالد وفعل تقنية حركته الخاصة، ليظهر أمام التمثال التالي في رمشة عين. كانت سرعته تفوق سرعة تيريون بكثير لأن الضغط لم يعد يؤثر عليه. لكنه لم يطارد تيريون؛ بل اتجه لصفوف التماثيل على الجانب الأيمن.
كان جيرالد حذراً وماكراً؛ علم أن تيريون سيتمكن من نهب بضعة كنوز من الجانب الأيسر، فتركه يفعل ذلك بينما تفرغ هو للجانب الأيمن. خطته كانت بسيطة: بمجرد أن يصل تيريون إلى حده الأقصى من التعب، سينقض عليه ويقتله، ليأخذ الكنوز التي تعب تيريون في نهبها بالإضافة إلى ما جمعه هو!