ومضت أشباح خاطفة فوق أسطح المدينة المهجورة؛ كانت سرعتهم مذهلة وهالاتهم تبعث على الرهبة. ورغم أن كميات "الغبار" المنبعثة منهم كانت ضئيلة، مما يشير إلى أنهم لم يبلغوا رتبة "الجندي الخارق" بعد، إلا أن القوة التي أظهروها بقفزات تتجاوز العشرين متراً كانت كفيلة بمناطحة أعتى المحاربين الجدد.
فجأة، تباطأت تلك الأشباح واستقرت فوق سطح ناطحة سحاب يبدو جانبها وكأنه قُطع بنصل عملاق. وقف الثلاثة فوق حافة المبنى المشطور، يحدقون في الشارع بالأسفل.
"هناك!"
همس أحد الظلال، ليوجه الآخران أنظارهما نحو الشارع. كان هؤلاء هم تيريون، وجيسون، وفاندر الجريح. لم يطاوعهم قلبهم لترك أليسيا تضحي بحياتها من أجلهم، فعادوا أدراجهم.
أشار تيريون لشارع يبعد عنهم مسافة؛ ومن موقعهم المرتفع، لم يبدُ المشهد سوى نقاط صغيرة لصعوبة الرؤية من مسافة كيلومتر تقريباً. ورغم رتبة الجندي الجيني، إلا أن الحواس تحتاج لصقل شديد لبلوغ "البصر الثاقب" أو "السمع الحاد".
"تلك أليسيا، أستطيع تمييز قوامها في أي مكان،" قال جيسون بتعبير ملهوف.
أحكم فاندر قبضته الوحيدة وتمتم: "من الجيد أنها لا تزال حية."
بينما ظل تيريون صامتاً، يراقب المشهد بتركيز مريب.
"يبدو أنها محاصرة من قبل أولئك الطغاة؛ فرقة 'قلب الأسد'. يجب أن نقتلهم حيث يقفون!" زمجر جيسون غضباً حين أبصر عدة ظلال من أكاديمية قلب الأسد تحيط بأليسيا.
"لكن لماذا لا يهاجمون؟" لم يملك تيريون إلا أن يتمتم بتساؤل.
سخر فاندر فوراً: "رغم أن أليسيا قد لا تكون 'إلهاً شيطانياً'، إلا أن إمكاناتها مذهلة. بقوتها تلك، ستضمن قتل اثنين أو ثلاثة منهم على الأقل قبل أن تسقط!".
أومأ جيسون برأسه وجديّة مفرطة تكسو وجهه: "لنذهب لمساعدتها."
ودون تردد، قفز جيسون الغاضب وفاندر المصاب من فوق ناطحة سحاب، يتنقلان بين حواف المباني لتقليل سرعة السقوط حتى استقرا على الأرض، ثم اندفعا للأمام يحدوهما الأمل في إنقاذ رفيقتهم.
بقي تيريون وحيداً فوق قمة البرج، مرسوماً على وجهه تعبير غريب للغاية وهو يرمق تلك الظلال البعيدة. ورغم أنه لا يزال جندياً جينياً، بعيداً عن حواس "المقاتلين الشياطين" التي تغطي كيلومترات، إلا أن امتلاكه لقلب ثانٍ عزز حواسه بشكل طفيف.
لم يستطع رؤية التفاصيل بدقة، لكن غريزته أخبرته أن أليسيا ليست في خطر.. بل العكس تماماً. بدت وكأنها هي من تسيطر على الموقف بالكامل، مما جعل المشهد يبدو شاذّاً ومحيّراً.
"بـــــوم!!!"
فجأة، بدا وكأن العالم يغير ألوانه، واجتاح شعور خانق بالأزمة الفريق بأكمله."بـــــانغ!"
استحالت الألوان في أعينهم إلى السواد، وهبط عليهم ضغط مادي مرعب.
"طـــــرقع!!!"
خفقت قلوبهم بعنف وكأنها تريد القفز من صدورهم، حيث غلفهم رعب بدائي خام. أمالت أليسيا رأسها، وتقوس ثغرها عن ابتسامة مميتة؛ ابتسامة فاتنة كفيلة بالإطاحة ليس فقط بالممالك، بل بالعوالم.
"ظننت أنني قلت لكم.. اهربوا؟"
"بـــــوم!!!"
أنّ جيسون وشعر بدوار شديد نتيجة الضغط والرعب الكاسح، فعض شفتيه بقوة ليستفيق. أما فاندر، فقد غاب عن الوعي فوراً من شدة الخوف الخام لكن جسده ظل واقفاً متصلباً، بينما ارتجفت عضلات تيريون بعنف، وبرزت العروق في عينيه وعنقه ورأسه.
"يا له من ضغط مهول!" صُدم تيريون تماماً.
لم يكن ضغطاً ناتجاً عن قوة مادية فحسب، بل كان ضغط كائن أعلى مرتبة تجاه كائنات أدنى! كخوف الأرنب عند مواجهة ديناصور.
"من المؤسف أن عليّ قتلكم الآن بعد أن رأيتم حقيقتي."
وبمجرد نطقها، بدا وكأنها تلاشت من الوجود لتظهر فجأة أمام فاندر.
"بـــــانغ!"
ارتعش جسده حين انتُزع قلبه مباشرة من ظهره. وفي اللحظة ذاتها، ظهرت أمام جيسون."بـــــانغ!!"
لم يملك حتى فرصة للرد حين اخترقت يد صدره وانتزعت قلبه، وتناثرت الدماء في الهواء بحركة بطيئة.
وفي ذات الكسر من الثانية، ظهرت خلف تيريون."بـــــانغ!"
انتُزع قلبه مباشرة كحبة تفاح تُقطف من شجرتها.