كانت العربة الحربية "D-XT" جديرة حقاً بلقبها كواحدة من أفضل طرازات المركبات القتالية الحديثة؛ إذ تمكنت عجلتاها العملاقتان من تجاوز كافة العقبات، من أكوام السيارات المتراكمة والحفر العميقة وصولاً إلى الحافلات المحطمة، بسرعة مذهلة. وفي أقل من نصف يوم، كان الفريق قد توغل في أعماق "مدينة الموتى الأحياء القديمة الجديدة" ليصل أخيراً إلى مدينة "فولكروم".
من بعيد، تراءت لهم مدينة عملاقة تناطح سحابها الأفق، وتتدلى منها سكك القطارات المعلقة كأغصان شجرة خرافية. بدت المدينة بأكملها مزدهرة في الماضي، حتى إن طرقاتها صُنعت من مادة خاصة تجعل تدميرها أصعب بعشر مرات، وتوهجت بخفوت عند تعرضها لأي طاقة حركية.
أصيب تيريون بالذهول؛ فالمشهد كان مستقبلياً أكثر مما رآه في أي فيلم سينمائي. وبقدر ما استطاعت حواسه إدراكه، كانت هناك مبانٍ تطفو فعلياً في كبد السماء. ملأت اللوحات الإعلانية الضخمة قمم البنايات، مروجة لأحدث الأذرع السيبرانية، والأرجل الاصطناعية، ومتاجر النانوبوت المتطورة.
"إنها مدينة مهيبة حقاً. البُعد البديل شاسع ومليء بالمفاجآت، وهذا ما يجعله يستحق الاستكشاف".
توقفت العربة الحربية التي تحمل الأربعة عند مدخل المدينة المرتفع، وبدأ الجميع ببذل قصارى جهدهم لمسح أعماق المنطقة.
ما مدى اتساع الأبعاد البديلة؟ يُقال إن البشرية حتى الآن لا تملك أي قياسات دقيقة؛ بعبارة أخرى، يمكن وصفها بأنها تمتد "على مد البصر". ومقارنة بالأرض الحقيقية، كانت هذه الأبعاد وجوداً هائلاً لا يُقاس.
لفترة طويلة، كان حلم البشرية هو غزو هذه الحدود البعدية وكسب مساحات إضافية لنجاة الجنس البشري. لكن بعد بضعة أجيال، اكتشف العظماء أنهم كانوا واهمين ومغرورين.
هناك مقولة شائعة في المناطق البعدية:"قتلٌ أبدي لوحوش لا تنتهي، واستقصاءٌ أبدي لحدود لا تنقضي".
هذه المقولة تلخص بدقة هذا البُعد؛ فكائنات الأبعاد لا تنقرض أبداً مهما قُتل منها. والسبب هو أنه في كل مرة يتم تطهير منطقة ما بالكامل، وبعد مرور وقت معين، تتولد هذه الوحوش بشكل غامض مرة أخرى. لكن إذا تُركت بلا قتل، فإن أعدادها تنمو بشكل انفجاري. وإذا تجاوز عدد الوحوش حداً معيناً، فإن ذلك سيؤثر على بُعد الأرض الحقيقي، حيث يمكن للوحوش الفائضة التسلل عبر الشقوق البعدية والوصول لمدن البشر.
وحتى يومنا هذا، لم تجد البشرية إجابة عن ماهية هذه الوحوش أو من أين تأتي. لكن كانت هناك قاعدة ثابتة يعرفها الجميع: "داخل كل بُعد، تسمح قوانين العالم فقط بوجود كائنات تحت مستوى معين من القوة".
الكائنات التي تتجاوز قوتها هذا الحد لا يمكنها دخول البُعد، وإذا وُلد كائن داخل البُعد وتجاوز قوته الحد المسموح، فإنه سيتعرض للعقاب من البُعد ذاته. فعلى سبيل المثال، أقوى وحش يمكن أن يظهر في "البُعد القديم الجديد" هو من رتبة الكريستال الماسي كحد أقصى.
وهذا ينطبق أيضاً على المقاتلين؛ ففي حال دخل محارب تتجاوز قوته رتبة "الجندي الخارق"، سيصبح البُعد غير مستقر وينهار، مما يؤدي لمقتل المحارب في تلك العملية.
في هذه اللحظة، بدت الأرض تحت أقدام تيريون وفريقه وكأنها خضعت لتغيرات عظيمة. غُطيت المدينة بأكملها بكروم نباتية ضخمة ومتشابكة، واكتست ناطحات السحاب والمباني المدمرة بطبقة من الطحالب الخضراء القاتمة. كما انتشرت كميات مهولة من الزومبي، مما يعني احتمالاً كبيراً لوجود "سفاحي الدماء" في الأرجاء.
كان مدينة "فولكروم" خياراً ممتازاً لصيد رتبة الكريستال الحديدي واكتساب الخبرة؛ ففي معظم الأماكن الأخرى، قد تضطر للطحن لعدة أيام قبل أن تلمح وحشاً من الرتبة الحديدية.
"أخيراً وصلنا. هل الجميع مستعدون؟ وحوشنا الحديدية في انتظارنا!"
ضحك جيسون بصوت عالٍ وقفز من العربة وتبعه بقية الفريق.
أخرج جيسون قفازين فضيين مرصعين ببروزات حادة وارتداهما، بينما سحب رشاشاً آلياً من داخل العربة وعلق أحزمة الرصاص حول كتفيه؛ فثقل الجو فجأة تحت وطأة هيئته المستعدة للقتال.
أما أليسيا فكانت سريعة الخطي؛ انزلق خنجران من كُميها وأمسكت بهما بقبضة عكسية، وتبدلت الهالة المنبعثة من جسدها لتنضح بنية قتل باردة وتقشعر لها الأبدان. بينما استل فاندر نصلاً ضخماً من خلف ظهره، فغير السلاح جو المكان فوراً، وشعر تيريون بحدّة تخترق الهواء المحيط، فلم يسعه إلا النظر لرفاقه ببعض المفاجأة.
من الهالة التي ينضحون بها، كان هذا الفريق كافياً لقتل وحش من الرتبة الحديدية دون عناء كبير.
أخذ تيريون نفساً عميقاً وأمسك بمقبض نصله خلف ظهره.
"بززززززت!"
توقف الهواء للحظة وطرأ طنين في الأرجاء. انفجرت موجة هواء هائجة منه، واهتز الجو بهالة من الوحشية المطلقة، وكأن وحشاً متطوراً من الرتبة الحديدية قد حل مكانه.
"إيه؟ تيريون.. يبدو أنك أصبحت أكثر قوة! غريب، من يراك لن يظن أبداً أنك فعلت 50% فقط من خلاياك". علق فاندر بدهشة باديّة في عينيه.
قالت أليسيا بعد مراقبته بدقة: "لقد فعلتَ 90% على الأقل". فمنذ اللحظة التي لمس فيها تيريون نصله، تغيرت هيئته بالكامل؛ لقد رأت كيف يتحكم بسلاحه ببراعة تامة وكأنه امتداد لذراعه، وهو أمر لا يتقنه إلا من تجاوزت نسبة تفعيل خلاياهم الـ 90%.
رد تيريون مبرراً: "لقد اشتريتُ مصلاً للتطور". كان هذا هو العذر الذي فكر فيه مسبقاً لتفسير هذه القفزة المهولة في قوته.