رفع تيريون بصره، ليرى فتاة ممشوقة القوام ترتدي ثوباً ضيقاً يبرز تفاصيل جسدها وهي تتقدم نحوه بخطوات واثقة.
ألقى تيريون نظرة خاطفة حولها؛ فالعادة أن الطلاب لا يرتادون هذا المكان، وظل الوضع كما هو الآن؛ فقد كان الشخص الوحيد الموجود في محيط عشرات الأمتار، ولهذا السبب تحديداً اختار هذه البقعة المنعزلة لاستخراج العضو.
"لا تقل لي إن أليسيا تبحث عني؟" تفرس تيريون في الفتاة التي كانت تمشي نحوه مباشرة، ولم يجد بداً من رفع رأسه لمواجهة نظراتها.
كانت أليسيا فارعة الطول، يصل طولها إلى 1.75 متر؛ وهو طول لا يعتبر قصيراً حتى بين الرجال في هذا السن، ويجعلها متميزة وشاهقة بين النساء. ورغم طولها، كانت تناسقات جسدها مثالية؛ فبفضل جسدها الناحل وتدريباتها المستمرة، لم تبدُ ضخمة الحجم، بل منحتها ساقاها الطويلتان ومنحنياتها البارزة تأثيراً بصرياً قوياً، ونوعاً من السحر البدائي الذي يذكرك بجمال الطبيعة البرية الجامحة.
ورغم أنهما في فصل واحد، إلا أن الفجوة في المكانة كانت شاسعة؛ فهي تنحدر من عائلة مرموقة وثرية. لكنهما اشتركا في خصلة واحدة: كلاهما كان يميل للعزلة، وبما أن أليسيا كانت تقضي جل وقتها في التدريب، لم يحدث بينهما تفاعل يذكر سوى التحيات المهذبة العابرة من حين لآخر.
كان من الواضح أن أليسيا هنا من أجل تيريون، مما تركه في حيرة من أمره، غير متأكد من سبب بحثها عنه.
"تيريون، أود دعوتك للانضمام إلى فريقي من أجل المهمة." وقفت أليسيا أمامه ونطقت بهذه الكلمات الصادمة.
قبل دخول الكلية، لم تكن اختبارات القتال تعتبر ذات أهمية قصوى في بعض الكليات التي ترى أنها قادرة على تدريب الطلاب لاحقاً. لكن أكاديمية "بوابة الموت" كانت مختلفة تماماً؛ فالقوة القتالية هي كل شيء بالنسبة لهم، لدرجة أنهم يتجاهلون كافة أشكال التعليم الأخرى، ويقبلون أي شخص طالما لم يكن لديه سجل إجرامي حافل ولم يتجاوز العشرين من عمره.
وبالنظر إلى ذكاء تيريون المتواضع -أو هكذا يُشاع- فإن نتائجه لم تكن لتؤهله لدخول أي كلية أخرى؛ لذا كانت أكاديمية بوابة الموت أمله الأخير. فالقوة تلعب بالفعل دوراً حيوياً في النظام التعليمي لاتحاد الأرض. وبما أن اختبارات القتال خطيرة، لم يكن لزاماً على كل مرشح المشاركة فيها، ولم تكن نتائجها تُحتسب ضمن الدرجة الإجمالية لامتحانات القبول، بل كانت المشاركة طوعية تماماً، إلا لمن يرغب في التقدم لمدارس خاصة تتطلب نتائج قتالية لغرض التقييم.
في الخمسين عاماً الماضية، بدأت مدارس مشهورة أكثر فأكثر تستخدم نتائج اختبار القتال كمعيار أساسي لتوظيف الطلاب، أما معايير "بوابة الموت" فكانت قتالية بحتة.
بالطبع، للحصول على وظيفة تتعلق بالأبعاد، يجب أن تكون نتائج المرء في كل اختبار قتالي ممتازة. وإذا لم ينخرط تيريون في أي عمل يتعلق بالمناطق البعدية، فلن يمتلك المصادر أو القنوات للحصول على الآثار والموارد، مما سيصعب عليه تفسير نموه السريع أو قدراته الفائقة في المستقبل.
إن "الاختباء في وضح النهار" هو ما سيجعله يتفادى لفت الأنظار؛ فالألماس يختفي بسهولة وسط بحر من الكريستال. لم يكن تيريون يرغب في المخاطرة بحياته في المناطق البعدية، لكنه كان بحاجة لمهنة تتعلق بها؛ لأن سرعة تطوره كانت خرافية بكل بساطة، وبهذه الطريقة لن يُشك فيه عندما تقفز قوته بشكل مفاجئ مستقبلاً.
ومثلما هو الحال في هذه المهمة القتالية؛ فهي لم تكن عملاً فردياً، بل تُنفذ في فريق من أربعة أفراد. فبعيداً عن المهارة الفردية، يؤثر العمل الجماعي والقيادة والسمات الأخرى على النتائج النهائية. وإذا ظل شخص واحد صامداً في الاختبار بينما سقط بقية الزملاء أو وقع حادث ما، فإن درجته ستتأثر بشدة حتى لو أدى بشكل فردي رائع.
كانت سمعة تيريون سيئة داخل الأكاديمية. وكان من الممكن تفهم انضمام طالب عادي إليه، ولكن بالنسبة لأليسيا -التي تملك فرصة نيل المركز الأول في المهمة القتالية- لم يكن هناك سبب منطقي يدفعها لتجنيده.
"لماذا اخترتِني أنا؟" سأل تيريون بفضول واهتمام.
تلاقت نظراتهما. كانت عينا أليسيا صافيتين وغير ملوثتين كبحيرة كريستالية. وقالت بهدوء: "أريد أن أبذل قصارى جهدي للحصول على أعلى درجة، لذا أحتاج إلى زميل قوي. وأنت تملك تلك القوة."
"هل أنتِ متأكدة أنكِ تتحدثين عني؟"
حدقت أليسيا في عينيه بتركيز وقالت بحزم: "مما رأيته، لقب 'الأسطورة' الذي تحمله مستحق تماماً. لستُ عمياء مثل الآخرين."
ثم تابعت وكأنها لا تريد الخوض في التفاصيل: "ربما كنت أبالغ في التفكير.. لذا، ما هو ردك؟"
هز تيريون كتفيه قائلاً: "بما أنكِ راغبة في التواجد معي في فريق واحد، فلا مانع لدي بطبيعة الحال من التقرب من شخص قوي."
"اتفقنا إذاً. لقد وجدتُ الزميلين الآخرين بالفعل. بدءاً من اليوم، سنتدرب نحن الأربعة معاً في 'غرفة الكم' (Quantum Room) في الثانية ظهراً. نحتاج للتأكد من وجود التنسيق والانسجام اللازمين أثناء الاختبار القتالي." نظرت أليسيا إلى ساعة يدها ثم التفتت قائلة: "هيا بنا، الساعة الآن تقارب الثانية."
عندما رأى "جيسون" و"فاندر" أليسيا تعود ومعها تيريون، تملكهما العجب. كانا يعلمان أنها ذهبت للبحث عن العضو الرابع، لكنهما لم يتوقعا أبداً من كانت تضع في حسبانها.
والآن، وبعد إدراكهما أنه تيريون، شعرا بالحيرة؛ فالجميع يعرف "ألاعيبه" منذ جلسة التوظيف وحتى هذه اللحظة. الموهبة الجينية أمر لا يعلو عليه شيء؛ فإذا كان المرء قليل الموهبة، فمهما بلغت درجة اجتهاده، ستظل آفاقه محدودة.
لقد كان تيريون صاحب الموهبة الأقل منذ البداية، ولم يتفوق إلا بفضل مصل الرتبة (B) الذي جعله يصبح "الأول". ألن يكون عبئاً عليهم أثناء القتال داخل بُعد الموتى الأحياء القديم؟