الفصل الخامس والعشرون: لقاء مباغت مع الشيطانة
تجمد "تيريون" في مكانه كتمثال رخامي، وشعر وكأن عقله قد غُمِس في الجليد لآلاف السنين بينما ظل واقفاً بلا حراك لما بدا وكأنه عقد من الزمان.
في غرفة جلوسه، كانت تقبع سيدة ناضجة ذات عينين قرمزيتين عميقتين، وشفتين بلون الدم القاني، وجسدٍ يفيض إثارة تكاد تضاهي لهيب النار، لكن بملامح باردة كفيلة بجعل أي شخص يزيح من مخيلته أي فكرة عابثة قد تراوده. في الأكاديمية بأسرها، لا يوجد سوى شخص واحد يمتلك تلك العيون والأظافر القرمزية الغائرة.. إنها "الشيطانة"، المعلمة "كيشا".
رفعت حدقتيها عن المجلة التي بين يديها واستقرت نظراتها على "تيريون" العاري تماماً، والذي كان قد نزع كل ملابسه بما في ذلك ثيابه الداخلية. لم يتغير تعبير وجهها للحظة وهي تحدق فيه وكأنها تنظر إلى رجل ميت أو تمثال عادي.
وقالت بنبرة فاترة: "لو كنتَ أكبر حجماً بقليل، لما مانعتُ في إطالة النظر لبعض الوقت، لكن للأسف..."
ما إن سقطت كلماتها حتى عاد "تيريون" إلى رشده، وبمجرد أن استوعب عقله ما قالته لتوِّ، استحال وجهه إلى اللون الأحمر القاني من شدة الإحراج. يمكن للرجل أن يتحمل أي شيء، بما في ذلك إلقاؤه في حفرة من النيران بانتظار فرصة للانتقام، إلا أن يُوصف بـ "الصغير".. إنها طعنة عاطفية ونفسية قد تدفع أصلب الرجال للانتحار!
"أ-أنا.. يمكنني جعله أكبر!"
ولأنه لم يدرِ كيف يرد على ذلك، فعّل "تيريون" فوراً الحالة القصوى لـ "فن ساق الشبح". تباطأ الزمن بشكل مذهل بينما تحول إلى سلسلة من الأطياف الحية، وهرع نحو الممر مختبئاً ليرتدي ملابسه والارتباك يطل من عينيه.
بعد بضع دقائق، كان "تيريون" يقف باحترام ورأسه منكس في غرفة الجلوس كطالب مهذب. وعلى الأريكة التي تبعد عنه بضعة أمتار، جلست المعلمة "كيشا"، تنقر بأظافرها الطويلة والحادة بانتظام فوق مسند الأريكة.
كانت عيناها القرمزيتان تتوهجان وهي تشخص بصرها في "تيريون"، وكأنها تتفحصه كفصيلة جديدة من المخلوقات على وجه الأرض. وعندما بدأ "تيريون" يشعر بالضيق وعدم الارتياح، نطقت الشيطانة أخيراً:
"أنت تجيد جعل السيدات ينتظرن، أليس كذلك؟"
خفض "تيريون" رأسه أكثر وهو يلعن في أعماق قلبه: 'سحقاً! لو علمتُ أن الشيطانة ستزورني شخصياً لكنت ذهبت للقائها. أنا الآن في ورطة حقيقية!'
كان يدرك مدى قسوة المعلمة "كيشا"؛ فهي لا تترك أحداً يفلت من يدها. خلال تدريبات التجنيد، قتلت خمسة طلاب على الأقل لمجرد أنهم قاطعوها أثناء حديثها، وقتلت خمسة آخرين لأنها لم تستلطف رؤيتهم. فما هو نوع العقاب الذي ستنزله بمن عصى أمرها؟
جالت عينا "تيريون" يميناً ويساراً وهو يفكر في مخرج من هذا المأزق.
أجاب بصوت منخفض: "ظ-ظننت أنني أتخيل الأصوات بسبب الارتجاج الناتج عن التعرض لهجمات نيرانك ومواجهة وحشين مختلفين بنسبة تفعيل خلايا 50%".
رفعت "كيشا" حاجبيها وتوهجت عيناها وهي تحدق فيه بظل ابتسامة غامضة على شفتيها: "أتقول إذن إن الخطأ خطئي؟" قالتها وهي تباعد بين شفتيها الحمراوين، لتكشف قليلاً عن نابيّها المدببين.
ورغم أن "تيريون" هز رأسه نفياً، إلا أنه لم يحاول إنكار استنتاجها. خيّم الصمت على الغرفة واشتد توتر الأجواء، وبدأ صقيع مجهول المصدر يطغى على دفء المكان.
كزّ "تيريون" على أسنانه حين هبط عليه ضغط غير مرئي، وكأن الجاذبية في الغرفة زادت خمسة أضعاف. شعر بفقرات خصره تصدر طقطقة، وبدأت عظام ركبتيه تئن تحت الثقل.
[إصابة طفيفة +9 نقاط ضرر]
استخدم كل ما أوتي من قوة ليصمد بيأس، وتكونت قطرات العرق على جبينه حتى بللت ثيابه. وفجأة، تلاشى الضغط تماماً، مما سمح له بالتنفس أخيراً، وبدأت عظامه المشقوقة في الالتئام حتى شفي تماماً.
قالت كيشا فجأة: "لقد أيقظتَ حقاً ميزة 'التجدد'، وهي أقوى مما كنتُ أظن".
وتابعت: "من الآن فصاعداً، احرص على ألا تكشف لأحد عن ميزتك هذه، وإن عرفها أحد، فتأكد من موته أولاً. سأبلغ المعلمين والطلاب الآخرين أنك غششت باستخدام حبة 'ترميم أسطورية' كانت إرثاً لعائلتك".
"وبما أن امتلاك شيء كهذا يُعتبر من ضمن قدراتك، فلن يتم سحب لقب 'أسطورة السنة الأولى' منك".
وقفت فجأة ومشيت نحو "تيريون" المذهول. رغم أنها لم تكن أطول منه إلا ببضع بوصات، إلا أنها بدت كوحش كاسر يوشك على التهام فريسته. رفعت يدها ولمست طرف ذقنه بسبابتها.
"يمكنني فعل كل هذا من أجلك مقابل معروف واحد فقط".
هبت نسمة من النافذة، وغمرت رائحتها العطرة "تيريون". شعر وكأنه على شاطئ البحر تحت أشعة الشمس بينما تداعب خياشيمه نسمة المحيط الباردة. استنشق "تيريون" الرائحة دون وعي، ثم سأل بحذر: "أي معروف؟"
لكن نشوته لم تدم طويلاً حين نطقت بكلماتها التالية: "لا شيء كبيراً، أحتاج فقط للقليل من دمك".
شحب وجه "تيريون" على الفور وتراجع إلى الوراء مبتعداً عنها. كان يدرك أنها جاءت لتسأله كيف وصل للحالة القصوى في أربع تقنيات، ولم يتوقع أبداً أنها تطمع في دمه! ماذا دها هذا العالم؟ وما قصة تلك الأنياب؟ هل هي مصاصة دماء أم ماذا؟ ومن يطلب الدم كمعروف أصلاً؟!
هز "تيريون" رأسه فوراً وأجاب دون تفكير:
"لن يحدث هذا أبداً!"