بمجرد دخوله المنطقة الخالية، شعر تيريون بنظرات عديدة تلاحقه، مما أثار دهشته. رفع رأسه ليرى مجموعات غير قليلية تقف عند مدخل البرج؛ والظاهر من هيئتهم أن بعضهم قد خرج للتو من البرج، بينما يستعد البعض الآخر للدخول، وآخرون يبدو أنهم ينتظرون شيئاً أو شخصاً ما.
أدرك تيريون بذكائه أن هذه المجموعات، رغم انتمائها لسبع أكاديميات مختلفة، قد انقسمت إلى معسكرين رئيسيين: "تحالف الأكاديميات الصالحة" و"تحالف الأكاديميات الشيطانية".
استرعت انتباهه مجموعة من المعسكر الصالح تنتمي إلى أكاديمية أركانوم (Arcanum)، وهي واحدة من أقوى ثلاث أكاديميات في التحالف الصالح. كانت المجموعة تتكون من ثلاثة شباب فقط: "ريد"، "إيمي"، و"جيرالد". وقوتهم تترواح بين رتبة جندي خارق مستوى 1 و2 و3 على التوالي.
بهذا التشكيل، كانوا كافين لإبادة هذه المنطقة البعدية بالكامل؛ ذلك لأن طلاب الأكاديميات الثلاث الكبرى يكونون عادةً أقوى بمرتين أو ثلاث مراحل من المعتاد، مما يعني أن "جيرالد" الذي يمتلك رتبة جندي خارق-3، قد تضاهي قوته الحقيقية جندياً خارقاً من المستوى السادس (أمير حرب).
كان الثلاثة يجلسون في تأمل وعيونهم مغمضة، وكان يمكن رؤية عضلاتهم ترتجف بينما يدور الهواء من حولهم؛ لقد كانوا يمارسون "فنون تدوير الدم". منحهم هذا مظهراً هالة متعالية جعلت الجميع من حولهم ينظرون إليهم بحسد.
أما الأكاديمية الصالحة الثانية فكانت من الدرجة الثانية وتُدعى "ستاربيرن" (Starburn)، وتتكون مجموعتهم من 6 جنود جينيين، لكن وصولهم إلى هنا يعني أنهم ليسوا بسطاء أبداً. والمجموعة الثالثة كانت تضع شارات على شكل أسد: "أكاديمية قلب الأسد" (Lion Heart).
وفي المعسكر الآخر، المعسكر الشيطاني، ميز تيريون بعض الأشخاص الذين يرتدون معاطف مألوفة عليها شعار الجمجمة: زملائه من أكاديمية بوابة الموت (Death Gate).
وبينما كان تيريون يتفحصهم، كانوا هم أيضاً يتفحصونه.
"حطام آخر من التحالف الشرير. يجب أن تتعفنوا جميعاً في زنزانة ما ولا يراكم أحد أبداً. تفو!" بصق أحد طلاب أكاديمية قلب الأسد باشمئزاز، ولم يكلف نفسه عناء إخفاء كراهيته.
توقف تيريون للحظة عندما مرت قطرة بصاق طائشة بجانبه من تلك المسافة. ومضت عيناه ببرود لكنه رفض النطق بكلمة، واختار الوقوف جانباً للمراقبة بدلاً من الدخول فوراً. كما لم يذهب للانضمام لأعضاء أكاديميته، فلم تكن خطته تقضي بالدخول مع مجموعة.
تعالت ضحكات طلاب "قلب الأسد" بسخرية واستهزاء لرؤية تيريون يتجاهل الاستفزاز.
"هذا صحيح، اختبئ وتجرع أحزانك أيها الجبان،" سخرت شابة من قلب الأسد وهي تحدق مباشرة في تيريون.
لم يعرهم تيريون اهتماماً هذه المرة، واكتفى بتسجيل ذلك في ملاحظاته الذهنية، وبدأ يحسب الوقت الذي سيستغرقه لجمع 200 ألف نقطة ضرر من البرج. كل إصابة جسيمة تمنحه حوالي 9999 نقطة، مما يعني أنه يحتاج لتلقي ضربات قوية 20 مرة على الأقل.
كان يعلم أن بعض الوحوش تفضل استهداف الجمجمة، وهي الجزء الأكثر ضعفاً في جسده حالياً، لذا كان عليه حماية رأسه جيداً. وطالما لم يُدمر قلباه في وقت واحد، فإنه سيتجدد مع الوقت. كما أن معظم الوحوش لن تتمكن من إطلاق هجمات بهذا المستوى من القوة باستمرار، وسوف تنهك بعد سبع أو ثماني ضربات بكامل قوتها.
من أكاديمية بوابة الموت، كان هناك ثلاثة طلاب فقط، وجلس كل منهم على بعد عشرة أمتار من الآخر، مما عكس توتراً واضحاً بينهم؛ وهو أمر متوقع في أكاديمية يغدر فيها الأصدقاء ببعضهم البعض.
في هذه الأثناء، اقترب منه أحد طلاب "بوابة الموت". كان شاباً ذا بشرة داكنة. بحث تيريون في ذاكرته وتعرف عليه؛ إنه طالب السنة الثانية الذي حاول سحقه أثناء هروبه من مركز المكافآت إلى جبل الأساطير بعد حصوله على الـ 40 ألف نقطة.
"تيريون، أليس كذلك؟" قال الشاب بابتسامة عريضة وهو يمد يده للمصافحة.
رمش تيريون بعينيه وأومأ ببطء: "نعم، ومن أنت؟".
لم يظهر الشاب أي علامة غضب لرفض تيريون مصافحته، بل ضحك قائلاً: "غرانت، طالب سنة ثانية. بصراحة، عندما سمعت أنك فعلت نصف خلاياك فقط، لم أصدق أن 'أسطورة' الدفعة يمكن أن يكون ضعيفاً هكذا...".
كان تعبير "غرانت" مزيجاً من الفضول والدهشة. فبصفته جندياً خارقاً-3 (جنرال)، يمكنه قراءة من هم أدنى منه وتحديد مستوى تفعيل الخلايا، وقد ذهل حقاً من ضآلة نسبة تفعيل خلايا تيريون.
"ماذا أقول؟ لقد كنت محظوظاً بشكل لا يصدق،" رد تيريون بلا مبالاة.
أمال غرانت رأسه مفكراً في كلمات تيريون بجدية: "هذا تفسير جيد حقاً، لقد كنت محظوظاً جداً. لا بد أن الوصول إلى قلب المنطقة البعدية لم يكن سهلاً،" مشيراً إلى ملابس تيريون الممزقة.
"لن أسميه نزهة في الحديقة."
"ما رأيك في هذا؟ انضم لمجموعتي كـ 'حمال' (Potter)، سأوفر لك الحماية وكل ما عليك فعله هو جمع بقايا الوحوش التي نقتلها،" اقترح غرانت فجأة، وعيناه الضيقتان ترقبان تيريون بابتسامة.
واجه تيريون نظرته بجمود وكأنه لا يشعر بالنية الخبيثة خلف كلمات غرانت. صمت لبرهة متظاهراً بالتفكير قبل أن يهز رأسه: "صعوبة كل طابق تزداد مع كل شخص إضافي، لا أريد إزعاجكم بشأني، أفضل الدخول وحدي".
ومضت عينا غرانت وصمت لبضع ثوان قبل أن يومئ برأسه ببطء، والابتسامة لم تفارق شفتيه: "حسناً إذاً. تذكر، إذا احتجت لأي مساعدة، تعال إليّ". ثم استدار وعاد لرفيقيه الآخرين.
نظر تيريون إليهم بلا مبالاة قبل أن يشيح ببصره. ورغم شعوره بنفاد الصبر، إلا أنه أدرك أن هناك سبباً وراء انتظار هؤلاء الطلاب المتميزين من صفوة الأكاديميات هنا بدلاً من دخول برج أراساكا مباشرة. لذا، قرر هو الآخر الانتظار ليرى ما سيحدث.