كالفيروس المستشري، تفشى الرعب في عقول الطلاب. صارعوا بكل ما أوتوا من قوة ذلك الضغط الجاثم، لكن أجسادهم الواهنة لم تكن نداً لتلك القوة الغاشمة.
كانوا يعلمون يقيناً أن جميع المدربين "ضوارٍ" فتاكة يقتلون بدم بارد، لكن ثمة حدوداً غير مكتوبة؛ فالعادة جرت أن يُقتل طالب واحد كتحذير فحسب. لكن لماذا تبدو هذه السيدة بهذا الاندفاع؟ أم أن هذه هي السمة الجوهرية لكل مدرب في هذه الأكاديمية؟ هل لهذا السبب يرتعد الجميع خوفاً بمجرد ذكر اسم "بوابة الموت"؟
أطبق الوجل على قلوب الطلاب كقبضة حديدية تعتصر خفقاتهم المتسارعة. كانت كل خطوة تخطوها المدربة ترسل رعشة في عمودهم الفقري، حتى توقفت أخيراً أمام شاب بدا شاحباً كالجثث.
عيناه الأرجوانيتان اللتان كانتا تلمعان بالزهو قبل قليل، غطاهما رعب مطلق. كان جسده ينتفض، والعرق يتصبب منه بغزارة وكأنه خرج للتو من حمام ساخن.
"عيناك جميلتان حقاً.. لا أمانع في ضمهما إلى مجموعتي الخاصة."
استحال وجه الشاب إلى بياض الموت، وقبل أن يتمكن من إبداء أي رد فعل، مدت المدربة إصبعين وضغطت على زوايا عينيه. وبمنتهى السهولة -كحبة حلوى تنزلق من بين شفتين- برزت العينان من محجريهما، لتتدليا أمام وجهه للحظة قبل أن تستقرا في كف المدربة المنتظرة.
"جميلة حقاً.." تمتمت، بينما تذبذب الهواء بموجة طاقة غير مرئية قطعت الأعصاب والعضلات المتصلة بمقلتي العين.
لم يستطع الشاب حتى فتح فمه ليصرخ من الألم رغم توقنه بالاحتراق داخلياً؛ كان رد فعله الوحيد هو تلك الرعدة اللاإرادية التي اجتاحت جسده، معلنةً عن حجم العذاب الذي يكابده.
وبحركة عبثية، أخرجت تلك المدربة "الشيطانية" صندوقاً صغيراً من حيث لا يدري أحد، ووضعت المقلتين بداخله. انفرجت أسارير وجهها ببهجة وكأنها ابتاعت لتوها قطعة مجوهرات باهظة الثمن.
في هذه اللحظة، لم يعد الطلاب يرون في وجهها أي مسحة من الجمال؛ لقد تحولت في أعينهم إلى وحش كاسر يرتدي قناع بشر.
جالت عيناها بين الطلاب، تخطت الفتيات وكأنها تفكر، ثم استقرت نظراتها مباشرة على تيريون.
زمّت المدربة شفتيها وأمالت رأسها قائلة: "أنت إذاً 'الأسطورة' في هذه الدفعة." تحركت نحوه وهي تنطق كلماتها تلك.
تشنج قلب تيريون، وعلى الفور فعل المستوى الأول من "الانفجار الهائج" (Berserk Explosion). هدأ روعه فجأة، وانساب الدم في عروقه بسلاسة رغم الضغط.
وصلت أمامه في الثانية التالية، فلفحت أنفه رائحة عطر سكرية تشبه نسيم الورد الصيفي؛ كانت رائحة مريحة بشكل غريب، لكنها في هذا الموقف بدت وكأنها عبير قادم من قعر الجحيم.
تمتمت بصوت خفيض: "سمعت أنك بلغت 'الحالة القصوى' في أربع تقنيات مختلفة.. لكنك تبدو أضعف حتى من آخِر أسطورتين مرتا على هذه الأكاديمية."
وتابعت بلهجة ساخرة: "أسطورة بخلايا مفعلة بنسبة 50% فقط؟ هذه سابقة في تاريخنا. يبدو أن والديك ثريان جداً ليجلبوا لك مصلاً علاجياً من الرتبة (B).. لو كنت قد منحتني إياه، لربما قبلتُك تلميذاً لي، يا للأسف."
"في المرة القادمة التي تحصل فيها على شيء ثمين من والديك، تذكرني، اتفقنا؟"
رغم عجزه عن الحركة، استطاع تيريون أن يميل برأسه إيماءة طفيفة بالرد. ارتسمت على وجه المدربة المجنونة ابتسامة فاتنة تكاد تخسف بضوء الشمس: "جيد!"
ساد القاعة صمت جنائزي؛ لم يجرؤ أحد على النطق أو الحراك. وحتى لو امتلكوا الجرأة، فإن الضغط العنيف الجاثم عليهم كان يمنعهم من تحريك عضلة واحدة.
وبينما كان الطلاب يترقبون لحظة هلاكهم، انطلقت ضحكة رقيقة من المدربة.
"انظروا إلى وجوهكم المذعورة، تحدقون بي وكأنني نوع من الوحوش!"
تنهدت بملل ظاهر، وبدأ الضغط يتلاشى وهي تعود أدراجها نحو المنصة. وبإشارة من يدها، تغيرت الصورة الهولوغرافية لتظهر بوابة ضخمة تتوسط حيزاً شاسعاً.
كانت البوابة غارقة في ظلام دامس لا ينفذ منه نور، بينما غطت الشقوق أعمدتها الضخمة، شاهدةً على آمادٍ سحيقة من الزمن.
عدلت المدربة خصلات شعرها وقالت: "والآن.. حان وقت المهمة."
انتصبت أذنا تيريون على الفور: "لا تقل لي إن ما قالته تلك الشيطانة كان حقيقة!"
واستطردت المدربة: "هذه المهمة إجبارية لكل الطلاب الجدد، وهي التي ستحدد مكانتكم وتصنيفاتكم الحقيقية."
"أما عن موقع المهمة، فستتوجهون إلى 'بُعد الموتى الأحياء القديم'، وعليكم تسجيل مقطع لأنفسكم وأنتم تقتلون وحش 'سفاح الدماء' (Blood Ripper) من الرتبة الحديدية."
"بوم!"
انفجرت القاعة بشهقات الفزع قبل أن يكبح الطلاب أنفسهم بسرعة.
يُعد "بُعد الموتى الأحياء القديم" من أوائل الأبعاد التي ظهرت للوجود. قامت القوات العسكرية وفرق التنقيب بتطهير معظم أطلاله واستنزاف موارده وكنوزه، ليتحول الآن إلى منطقة تدريب منخفضة المستوى يصقل فيها الطلاب مهاراتهم.
لكن، لم يكن هذا هو سبب الرعب الذي اعترى طلاب السنة الأولى.
السبب كان الكائن الذي طُلب منهم قتله. تنقسم الكائنات البعدية إلى رتب: البرونزية، الحديدية، الفضية، الذهبية، والماسية، وما وراء ذلك لا يزال مجهولاً.
الكائنات من الرتبة البرونزية تضاهي في قوتها الوحوش المتطورة من المستوى الأول والجنود الجينيين بنسبة تفعيل 90%.. أما الرتبة الحديدية فهي في عالم آخر تماماً!
إن كائناً بعدياً من الرتبة الحديدية يعادل جندياً خارقاً حقيقياً يمتلك خلية فائقة واحدة على الأقل!
وبغض النظر عن كون قوة "سفاح الدماء" تكمن في سرعته الخاطفة، فإنه حتى لو وقف ساكناً وسمح لهم بضربه، فلن يتأثر؛ فجلده صلب كالدروع، وهو ميت حيّ في نهاية المطاف. لن يموت أبداً ما لم يُفصل رأسه عن جسده.
"اهدأوا، ليست مهمة فردية. يمكنكم تشكيل مجموعات من خمسة أفراد. أصلاً لن يُسمح لكم بدخول البُعد إن كان عددكم أقل من ذلك."
"الموعد النهائي هو أسبوع واحد، ومن يفشل في المهمة سيُعتبر غير جدير بالمنافسة على الموارد."
وبضحكة مستفزة أخرى، تابعت: "لا تنسوا تسجيل بياناتكم في الشبكة والتحقق منها قبل المغادرة. أتطلع لرؤية نصفكم على الأقل أيها اللطفاء."
ومع تلك الكلمات، غادرت القاعة ونقرات كعبها تدوي في المكان حتى اختفت خلف البوابة المظلمة.
لم يجرؤ أحد على التقاط أنفاسه لعدة ثوانٍ، وبعد دقيقة كاملة، استرخى الطلاب وانهار بعضهم على مقاعدهم من فرط الإجهاد النفسي.
أغمض تيريون عينيه، ملغياً تفعيل "الانفجار الهائج". بدأ جسده يتماثل للشفاء فوراً، لكن عقله لم يكن هادئاً بتاتاً. ما الذي عنته بقولها إنه أضعف من الأسطورتين السابقتين؟
بصفته جندياً جينياً بلا موهبة فطرية، تعرض للحرق والعض وكان قاب قوسين أو أدنى من الموت، لكنه نجح في الخروج منتصراً من كل مأزق، بل ووصل للحالة القصوى في أربع تقنيات.. ومع ذلك، لا يزال ضعيفاً مقارنة بهما؟ أي نوع من الوحوش هؤلاء؟
لقد بدأ من الصفر، وبفضل "النظام" (System) فقط وصل إلى هنا. لذا، لم يبالِ كثيراً؛ فهو يعلم أنه سيتجاوزهم جميعاً مع مرور الوقت.
سرعان ما ضجت القاعة بصخب عارم، حيث بدأ الطلاب يتناقشون فيما بينهم لتشكيل المجموعات وتبادل النصائح حول كيفية الإطاحة بـ "سفاح الدماء".