الأرض المحرمة، جبل المدربين.
في قلب هذا الجبل الذي يرتفع عشرة آلاف متر، انتصب مبنى شاهق الضخامة، تكاد قمته تخترق عنان السماء. كان "الغبار" يتدفق من جوانب المبنى كالأمواج، يتسلل إلى الهواء الرطب والبارد وينتشر في كل زاوية من زوايا الجبل.
بلا شك، كان "المبنى رقم 1" يستأثر بحصة الأسد من الغبار مقارنة بالمباني الـ99 الأخرى.. وعلى بُعد بناية واحدة من مركز المقاطعة، وتحديداً في المبنى رقم 49..
داخل هذا المبنى، الذي كان حجمه يفوق "المبنى 50" بمرة ونصف ويصغر "المبنى 48" بالنصف، جلس رجل وسيم حد الفتنة داخل غرفة مكتبه.
زينت الجدران لوحات غريبة تبدو وكأنها قطع أثرية استُخرجت من أبعاد بديلة ومعابد سحيقة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تناثرت على مكتبه آثار ذات أشكال هندسية عجيبة.
كان الشاب يمسك بيده أثراً قديماً للغاية يشبه مصباح زيت عتيق، وتداعب أصابعه النقوش الغائرة والأحجار الكريستالية المتلألئة المرصعة على جانبيه.
أمام هذا الرجل، وقفت سيدة غامضة، لم يكن بالإمكان تمييز ملامح قوامها لأن خيوط الضوء كانت تنحرف وتتشوه من حولها. كانت الظلال تترنح وتلتوي، حاجبةً وجهها تماماً، والشيء الوحيد الذي يمكن ملاحظته هو وشم تنين على معصمها؛ تنين أسود يعض ذيله في حلقة مفرغة!
تحدث الشاب فجأة وهو يمسح قمة المصباح بقطعة كتان نظيفة: "قبل عصر الصعود البعدي، كان القدماء يظنون أن هذا المصباح يحقق ثلاث أمنيات."
وتابع ببرود: "لكن بعد 'الهبوط'، اكتشف الإنسان أن الأمور ليست بهذه البساطة. فبدون القوة اللازمة لإخضاع 'شيطان الأمنيات'، سيجد المرء نفسه مأكولاً؛ دماً ولحماً وروحاً."
ثم رفع رأسه، كاشفاً عن عينين زرقاوين باهرتين الجمال وهو يواجه السيدة المتشحة بالظلال: "ما هو مستوى القوة الكافي في رأيك لإخضاع شيطان الأمنيات؟"
اهتزت الظلال على وجه السيدة قليلاً، لكنها لم تنبس ببنت شفة.
تنهد الشاب: "يا لكِ من محبطة للمرح."
اضطربت الظلال على وجهها فجأة بنفاد صبر، فاستدرك ضاحكاً: "حسناً، حسناً.. لا بد أنكِ سمعتِ عن 'الأسطورة' الجديد في دفعتكم، أليس كذلك؟"
توقفت الظلال المتحركة تماماً، وومضت عينا الرجل الزرقاء ببريق خبيث بينما ارتسمت على وجهه ملامح نية شريرة:
"أريدكِ أن تفعلي شيئاً من أجلي."
"بـــــوم!!!"
قطع المسافة في نصف ثانية، محطماً جدار الصوت وهو ينقض كوحش بري كاسر، مخيماً بظله الثقيل فوق تيريون.
لوّح "رود" بمخالبه الضخمة بقوة هائلة، مسدداً لطمة مباشرة نحو رأس تيريون."كف الجبل المنهار!"
"وووووش!"
تحركت المخالب في الفراغ، مشوهةً الهواء من حولها بفضل قوتها الكاسحة ودرجة حرارتها المرتفعة التي كادت تحرق كل ما تقع عليه العين. كانت الضربة من القوة بحيث تفرقع الهواء كأصوات الصواعق، وبدا وكأن المكان على وشك الانهيار.
تصاعد الضغط الجوي فجأة، وكأن جبلاً بأكمله قد أُلقي فوق كاهل تيريون. وفي غضون أجزاء من الثانية، تركز هذا الضغط الهائل في مركز كف رود.
ومضت عينا تيريون ببرود؛ القوة الكامنة في تلك الضربة تجاوزت بالتأكيد طاقة الـ80% لتصل إلى مستوى الـ90% من تفعيل الخلايا.
في المعتاد، لا يمكن لشخص فعل نصف خلاياه فقط (50%) أن يصمد أمام هجوم كهذا؛ فالأمر يشبه محاولة سيارة صغيرة إيقاف شاحنة مسرعة.. ستتحطم السيارة دون أدنى شك.
لكن تيريون، بدلاً من الذعر، ابتسم! هذا هو بالضبط ما كان ينتظره، وبهذه الضربة، ستؤتي خطته ثمارها.
بسط كفه بقوة محولاً إياها إلى "سكين بشرية". اهتز جسده بعنف بينما تلوت عضلاته تحت جلده، وبرزت عروق خضراء مخيفة وهو يحفز خلاياه وفقاً للمستوى الأول من "الانفجار الهائج".
طنين واهتزاز اجتاح الهواء مع ذبذبة كفه. رفع يده القاطعة فجأة، شاعراً بخبرة "أنماط السيوف التسعة" تتدفق في عروقه، وفي تلك اللحظة، ضرب بكل ما أوتي من قوة!
"سوووووووو!!!""تمزييييق!!!""زئير!!!"
صرخت الرياح وعوت وكأن نسيج المكان نفسه يتمزق. اصطدم الهجومان وجهاً لوجه.
في تلك اللحظة، بدا وكأن العالم قد توقف تماماً، وساد صمت غريب...
بدا الكف والمخالب وكأنهما التصقا بفعل قوة مغناطيسية، تجمدا في مكانهما بينما تبادل الخصمان النظرات. كان رود يشبه دب "جرزلي" عملاقاً ومرعباً، بينما بدا تيريون بجانبه ضئيلاً ونحيلاً. لولا العروق الملتوية حول عنقه، لبدا كطالب علم بريء.
ثم.. انهار الفراغ وانفجر.
"كــــــــــــا-بوم!!!"
انفجرت موجة صدمة تدميرية من الأرض صعوداً إلى السماء. كحجر ضخم سقط في بركة ساكنة، تجسدت تموجات الهواء إلى أمواج مادية تضرب بعضها البعض وتنتشر في كل الاتجاهات!
تحطمت الأرض تحتها إلى قطع صغيرة، وتحولت الصخور إلى قذائف تتطاير في كل صوب بقوة مفرطة. تصاعد الغبار ليغطي مساحة مئة متر.
وكأنه دمية محطمة، قُذف جسد تيريون بقوة خارج سحابة الغبار. طار جسده إلى الخلف دون توقف، يرتطم بالأرض ويرتد عنها مراراً حتى تلاشت طاقة التصادم. فجأة، وبحركة خاطفة، لوى خصره في الهواء مستجمعاً بقايا قوته ليقف على قدميه. انزلق وتراجع متعثراً، تاركاً وراءه خندقين بعمق عشرة أمتار من أثر الاحتكاك.
بدأ تيريون يلهث بصعوبة، وصدره يبدو وكأنه انخسف للداخل. كان جسده ملطخاً بالدماء والعرق والرمال، وتمزقت معظم ثيابه لتكشف عن جسد رياضي للغاية تملؤه الندبات الدامية.
"بفففت!"
بصق حفنة أخرى من الدماء. تباعدت ركبتاه ليحافظ على توازنه، بينما نضح الدم من مسام ذراعه اليمنى التي التوت بشكل غريب ومفزع.
لكن عينيه، اللتين ازدادتا بريقاً، ظلتا شاخصتين للأمام، تراقبان مصير خصمه وسط الغبار.